على بعد 100 كيلومتر عن مدينة كلميم، بنفوذ جهة كلميم وادنون، تتموقع جماعة أداي آيت حربيل بتعداد سكاني بلغ سنة 2014 زهاء 3005 من السكان، حسب المندوبية السامية للتخطيط، في الوقت الذي كان عدد القاطنين بهذه الجماعة هو 3481 نسمة سنة 2004، مسجلة بذلك نقصا تعود غالبية أسبابه إلى غياب ظروف العيش والاستقرار.
وإذا كانت أداي تعرف بكونها من المناطق الواحية بإقليم كلميم، فهي في المقابل تجسد مثالا على أرض الواقع يجمع بين مختلف صور الإقصاء والتهميش وتوقف عجلة التنمية مقارنة بالجماعات المحيطة بها، وعلى رأسها إفران الأطلس الصغير وأمتضي وتغجيجت.
التسيب الأمني، غياب صيدلية لاقتناء الدواء، تردي شبكة توزيع الماء، مشكل النقل العمومي، الافتقار إلى ملاعب ومؤسسات ثقافية لفائدة الشباب، نقص الخدمات المقدمة من طرف المركز الصحي وتفشي الجريمة والمخدرات.. هي إكراهات من بين أخرى تعيش على وقعها منطقة أداي وأخرجت الساكنة المحلية في عدة وقفات احتجاجية كانت آخرها الأسبوع الماضي.
لا يمكن لأي مواطن بأداي يتحدث عن المشاكل التي تعرفها المنطقة، أن يغفل عن ذكر مشكل الأمن أو ألا يطالب بإحداث مركز للدرك الملكي بالمنطقة، وهو ما استقته جريدة هسبريس من تصريحات متطابقة لعدد من السكان، الذين أكدوا على ضرورة تدخل السلطات الولائية بكلميم والقيادة الجهوية للدرك الملكي بجهة وادنون قصد تعزيز الأمن بأداي لزرع الاطمئنان في نفوس الساكنة من جهة، وقطع الطريق على تجار الممنوعات من جانب آخر.
وشكلت الجريمة المروعة، التي اهتزت على وقعها المنطقة قبل أسبوعين بعد تعرض موظف جماعي لاعتداء غير بعيد عن مقر قيادة أداي، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بالمستشفى الجهوي بكلميم، النقطة التي أفاضت الكأس، ودفعت الساكنة إلى الخروج في وقفات احتجاجية تطالب بتدارك الأمر قبل تفاقم الوضع، مشيرة إلى أن أداي تحولت إلى موقع استراتيجي لعبور مهربي المخدرات، وبؤرة سوداء لترويج مختلف أنواع الممنوعات، وقبلة لأعداد كبيرة من الغرباء.
سكان أداي وهم يجسدون تعبيرهم الاحتجاجي في أكثر من مناسبة، استنكروا بشدة جريمة قتل ابن المنطقة على بعد أمتار قليلة من مقر السلطات المحلية لأداي، والتي بثت الرعب فيهم، وأشعرتهم بعدم الأمان على أنفسهم وممتلكاتهم، فخرجوا مطالبين السلطات الأمنية بالكشف عن ملابسات الجريمة وتوقيف الواقفين وراءها، وفق كلمات وشعارات رفعت خلال الاحتجاجات.
وهذا الاتجاه هو ما ذهبت إليه جمعية “أداي آيت حربيل للرياضة والتنمية”، باعتبارها من الهيئات المدنية النشيطة بالمنطقة، والتي نبهت، في بيان استنكاري صادر عنها، إلى خطورة الفراغ الكبير الذي تعرفه الجماعة في الجانب المتعلق بالمنشآت الرياضية والثقافية، وتأثيره السلبي على عدم تأطير الشباب والدفع بهم نحو تعاطي المخدرات وولوج عالم الانحراف، مع ما لهذه الظاهرة من تأثير مباشر على التسيب الأمني، تضيف الجمعية، التي دعت مصالح الدرك الملكي بتغجيجت إلى تكثيف حملاتها التمشيطية، ووضع سياسة استباقية لتجفيف منابع الجريمة.
إلى جانب توفير الأمن، يشكل إحداث مستودع أو صيدلية بالمركز أحد أهم المطالب التي دعا سكان أداي آيت حربيل إلى تحقيقها خلال وقفاتهم التنديدية، معتبرين غياب الدواء إشكالا حقيقيا يستوجب التدخل لحله بعدما عمر أزيد من ثلاث سنوات.
وحول هذا المشكل، قال الفاعل الجمعوي محمد طايش إن المواطنين يجدون أنفسهم مضطرين لقطع أزيد من 30 كيلومترا لاقتناء الدواء بصيدلية تغجيجت أو إفران الأطلس الصغير، وهو ما يزيد من معاناتهم، خصوصا في الجانب المتعلق بأزمة النقل، وكذا تسعيرة التنقل التي ترفع ثمن الدواء أضعافا مضاعفة، حيث يجد ذوو الدخل المحدود صعوبة في اقتنائه.
وأكد عضو جمعية “أداي آيت حربيل للرياضة والتنمية”، في تصريح لهسبريس، أن انعدام الدواء بالمنطقة يشكل خطرا قائما على صحة المواطنين، خصوصا أمام عنصر الفجائية الذي يضع المصابين بالأمراض المزمنة والفئات الهشة كالأطفال والرضع والمسنين أمام تهديد مباشر يحدق بشكل دائم بصحتهم.
وأضاف “بعد إغلاق مستودع بيع الدواء منذ ثلاث سنوات بادرت الفعاليات المدنية إلى جمع توقيعات المتضررين، ومراسلة والي جهة كلميم وادنون، وهو ما أثمر عن عزم أحد الصيادلة فتح مستودع بالمنطقة قبل أن يتراجع عن الأمر ويعود مجددا قبل أشهر لمباشرة أشغال بدء المحل الصيدلي، لكن منذ ذلك الحين لم نعرف مآل خطواته، مما يجعلنا أمام فرضية عرقلة المرفق من طرف جهات مجهولة”.
وفي حديثه عن القطاع الصحي قال طايش إن المنطقة تتوفر على مركز صحي، لكنه لا يلبي احتياجات الساكنة المحلية على اعتبار أنه يفتقر إلى المعدات الكافية، ولا يتوفر على أطر طبية، بعد انتقال الطبيبة المكلفة وبقاء منصبها شاغرا، فضلا عن كونه لا يعمل بنظام الديمومة، الشيء الذي يجعل خدمات هذه المؤسسة الصحية ضعيفة جدا ولا ترقى إلى المستوى المطلوب.
“أما بخصوص الماء الصالح للشرب فتسيره جمعية محلية، غير أنها لم تتوفق منذ سنوات في تدبير المرفق بطريقة حكيمة، وهو ما جعل المنطقة تعيش مؤخرا أزمة ماء يضيع يوميا بسبب الشبكة المهترئة، وبالتالي تسجيل نقص في آبار المنطقة، فضلا عن كون لا أحد يريد الإمساك بزمام جمعية الماء نظرا لمشاكلها العديدة”، يضيف الفاعل الجمعوي ذاته.
” ملعب وحيد ودار شباب مقفلة”، هكذا لخص طايش الجمود الرياضي والثقافي الذي تعيشه أداي طيلة سنوات، مشيرا إلى التداعيات الخطيرة لهذا الجمود، خاصة تفشي تعاطي المخدرات بين شباب المنطقة، مع ما لهذه الظاهرة من تأثير سلبي على ظروف الاستقرار، سواء في الوقت الراهن أو مستقبلا.
وأرجع المتحدث ذاته أسباب هذا الفراغ إلى عدم اهتمام المجالس المنتخبة، محليا وإقليميا وجهويا، بجمعيات المجتمع المدني، وعدم إشراكها في تدبير القطاعين الرياضي والثقافي، فضلا عن غياب الدعم المادي الكافي، الذي يمكن الهيئات المدنية من تسطير برنامج حافل بالأنشطة المتعددة، التي من شأنها العودة بالنفع على ناشئة أداي، وإبعادها عن الانحراف وكافة السلوكات المشينة.
وحمل طايش، في ختام تصريحه، مسؤولية التوقف التنموي والتردي، الذي تعرفه عدد من القطاعات بالجماعة، إلى مختلف الجهات المسؤولة، وعلى رأسها المجالس المنتخبة، نظرا للعشوائية والتماطل والتسويف الذي تتعامل به مع كافة المشاكل التي تعرفها المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن جريدة هسبريس الإلكترونية حاولت مرات عديدة التواصل هاتفيا مع عبد الله أسكور، رئيس المجلس الجماعي لأداي، كما راسلته عبر رسالة نصية قصيرة توضح فيها فحوى الاتصال، غير أن جميع محاولاتها باءت بالفشل، ليبقى بذلك الجواب عن أسئلة التنمية بجماعة أداي وتدخلات الجهات المسؤولة لتدارك الإكراهات معلقا حتى إشعار آخر.
اترك تعليقا: